سلامة الصدر زينة ووقار

حديثنا لهذا اليوم عن رجل من أهل الجنة لم يسبق بكثرة صلاة ولا صدقة ولا صيام حديثنا لهذا اليوم عن خُلق عظيم ومطلب من اسنى المطالب حديثنا عن نوع من أنواع القلوب الذي لم تهمه الخطوب سلم قلبه من الشبهات والشهوات حاز مراتب الفخر وإن لم يكن ذا قبيلة تعرف وتجل حديثنا الأنقياء عن أصحاب الفطرة السليمة وصاحب القلب السليم يوم لا ينفع مال ولا بنون امتاز به الخليل الأول عليه الصلاة والسلام وسائر الأنبياء والسلف الصالح سطروا على صفحات الزمن قبل صفحات الكتب العجب العجاب من السير التي لا تكاد تصدق وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون فلعلكم اشتقتم لتعرفون قصصهم وطرفاً من أخبارهم








وروى الإمام ابن ماجه _ رحمه الله تعالى _ في سننه وأبو نعيم الحلية في المجلد الأول والطبراني في مسند الشاميين والخرائطي في مكارم الأخلاق وابن عساكر في تاريخ دمشق في المجلد الثاني والخمسين [ عن عبد الله بن عمرو قال : قيل : يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال : مخموم القلب صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب ؟ قال : هو التقي النقي الذي لا إثم فيه و لا بغي و لا غل و لا حسد > وقال المنذري في الترغيب والترهيب إسناده صحيح .





قال ابن تيمية _ رحمه الله تعالى _ في مجموع الفتاوى في المجلد العاشر : " فالقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر، فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح به " ا.هـ



وأخرج ابن النحاس _ رحمه الله تعالى _ في كتاب إعراب القرآن في المجلد الثالث قال وسئل ابن سيرين _ رحمه الله تعالى _ ما القلب السليم ؟ فقال : الناصح لله في خلقه .





وقال الإمام عبدالرحمن ابن سعدي _ رحمه الله تعالى _ في كتابه الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين للسعدي " وصاحب القلب السليم عنده من اليقين والنور ما يهتدي به إلى المطالب العالية " .





وروى الإمام أبو إسحاق النيسابوري في تفسيره الكشف والبيان في المجلد السابع قال أبو عثمان النيسابوري : هو القلب الخالي من البدعة ، المطمئن على السنّة .





وروى الإمام أبو الليث السمرقندي في تفسيره بحر العلوم وسئل أبو القاسم الحكيم عن القلب السليم ، قال له ثلاث علامات ، أولها أن لا يؤذي أحداً ، والثاني أن لا يتأذى من أحد ، والثالث إذا اصطنع مع أحد معروفاً لم يتوقع منه المكافأة ، فإذا هو لم يؤذ أحداً ، فقد جاء بالورع ، وإذا لم يتأذ من أحد ، فقد جاء بالوفاء ، وإذا لم يتوقع المكافأة بالاصطناع ، فقد جاء بالإخلاص .





وروى لابن السري في كتاب الزهد في المجلد الثاني عن سفيان بن دينار قال : قلت لأبي بشير وكان من أصحاب علي : أخبرني عن أعمال من كان قبلنا ؟ قال : كانوا يعملون يسيرا ويؤجرون كثيرا . قلت :ولم ذاك ؟ قال : لسلامة صدورهم .





روى ابن وهب في الجامع وابن سعد في الطبقات في المجلد الثالث وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وآداب اللسان عن زيد بن أسلم قال: دُخل على أبي دجانة رضي الله عنه وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له : ما لوجهك يتهلل ؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين. أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني ، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليما.





وأخرج الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى في المجلد الثامن والعشرون يقول في رسالته التي أرسلها لتلاميذه من السجن معلما ومربيا لهم : " وأول ما أبدأ به من هذا الأصل: ما يتعلق بي ، فتعلمون ـ رضي الله عنكم ـ أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين ـ فضلاً عن أصحابنا ـ بشيء أصلاً، لا ظاهراً ولا باطناً، ولا عندي عتبٌ على أحدٍ منهم ولا لومٌ أصلاً، بل هم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كلٌ بحسبه، ولا يخلو الرجل من أن يكون مجتهداً مصيباً، أو مخطئاً، أو مذنباً، فالأول مأجور مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد معفوٌ عنه مغفور له، والثالث المذنب فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين, فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل، لا تتكلموا بأي عبارة، كقول القائل: فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان كان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله " ا.هـ





يقول ابن سيرين: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا فإن لم تجد فقل :لعل له عذرًا لا أعرفه. - يا أخي من المعصوم من الخطأ والزلات؟ قال بعضهم:الفتوة التجاوز عن زلات الإخوان. - تذكَّر سوابق إحسانه فإنه مما يعين على التماس العذر وسلامة الصدر واعلم أن الرجل من عُدَّت سقطاته. - استحضر أن المؤمن يلتمس المعاذير، والمنافق يلتمس العثرات.





وذكر أبو البركات الغزي في كتابه آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة ومنها سلامة قلبه للإخوان، والنصيحة لهم، وقبولها منهم، لقوله تعالى: (إِلّا مَن أَتى اللَهَ بِقَلبٍ سَليمٍ). وقال السقطي رحمه الله: (من أجل أخلاق الأبرار سلامة الصدر للإخوان والنصيحة لهم).

عن أبي علي الحسين بن عبد الله الخرقي قال: بت مع أحمد بن حنبل ليلة لم أره ينام إلا يبكي إلى أن أصبح، فقلت يا أبا عبد الله: كثر بكاؤك الليلة فما السبب؟ قال أحمد: ذكرت ضرب المعتصم إياي ومر بي بالدرس قوله تعالى } وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ[40>{"سورة الشورى" فسجدت وأحللته من ضربي في السجود' رحم الله الإمام أحمد هكذا والله القلوب، وهكذا التعلق بالله جل وعلا، والتدبر لهذا الكتاب .





وهل أتاك نبأ الشيخ ابن باز - رحمه الله - مع ذلك الرجل من الخرج؟ فقد تولى الشيخ القضاء في مدينة الخرج وجاءه رجل في قضية فسب الرجل الإمام ابن باز رحمه الله،وشاع الخبر في المدينة وخرج الشيخ إلى الحج ،وبينما كان الشيخ في الحج مرض الرجل ومات، فلما قُدِّم الرجل ليُصلَّى عليه، أبى الإمام الصلاة عليه بسبب سبه للشيخ ابن باز، وصلَّى غيره، فلما رجع الشيخ وأُخبر الخبر عاتب الإمام جدًّا على فعله، ولم يرض ما صنع، ثم إنه سأل عن قبر الرجل فأتاه وصلَّى عليه ودعا له. فأين نحن من هؤلاء؟ .



هل تنفع هذه الدنيا إن لم يرد عليك بالجوال قطعت أواصر المحبة والقربى منه وأسأت الظنون وأن مر بسيارته ولم يسلم عليك لم تلتمس له أدنى عذر وإن رأيته في الأسواق لوحده أو مع أحد النساء قدمت سوء الظن على حسن الظن ولم تلتمس له العذر ولنا في الصحابي أبي ضمضم الذي وهب عرضه ومسبته وسامح كل من تكلم به فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فسعة الصدر وسلامته مرتبة عالية وقمة شاهقة فهل طلبناه أيها الأخوة الكرام

كما قال الشاعر :

( سلامة الصدر من خير الخلال فمن ** أتى بقلب سليم ربه سعدا )

( والحقد طبع ذميم عد عنه وعذ ** بالله رب العلى من شر من حقدا )

( وجنب الحسد المذموم صاحبه ** ما رييء قط حسود ساد أو مجدا )

( نعوذ بالله من عيش الحسود فما ** يمسي ويصبح إلا ساخطا كمدا





وقال ابن الأزرق قاضي غرناطة ووزيرها وسفيرها في كتابه بدائع السلك في طبائع الملك المسألة الثامنة قال بعض العلماء: من كمال الفضيلة حسن الظن بالصاحب، وتأول الخير فيما يظهر من التقصير، والتماس العذر لذي الهفوة، فقد يغلب المرء على طباعه، ويخرجه الاضطرار عن حد اعتداله، لاسيما لمن حمدت سيرته، فمثله لا تعتبر هفوته .





قال عمر رضي الله عنه: لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً.



وعن ابن عباس _ رضي الله تعالى عنهما قال : " نهي المؤمن أن يظن بالمؤمن شراً ".

ولله در الإمام أحمد بن حنبل حيث قال : " لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق بن راهويه ، وإن كان يخالفنا في أشياء ؛ فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً " .





وأعظم السوء سوء الظن بالعلماء والوقيعة بهم وعدم التماس العذر لهم قال شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله تعالى _ في المجلد السادس من الفتاوى الكبرى وهو يتكلم عن أعراض العلماء : نعوذ بالله سبحانه مما يفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة ، أو انتقاص أحد منهم ، أو عدم المعرفة بمقاديرهم و فضلهم ، أو محادتهم و ترك محبتهم و موالاتهم ، و نرجو من الله سبحانه أن نكون ممن يحبهم و يواليهم و يعرف من حقوقهم و فضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع ، و أن يكون نصيبنا من ذلك أوفر نصيب و أعظم حظ ، و لا حول و لا قوة إلا بالله .





قال الإمام السبكي _ رحمه الله تعالى _ : " إذا كان الرجل مشهودٌ له بالإيمان والاستقامة ، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه ومن أمثاله ، بل ينبغي التأويل الصالح وحسن الظن به وبأمثاله "





وأخرج الغزالي _ رحمه الله تعالى _ في إحياء علوم الدين في المجلد الثاني ويقول عبد الله بن المبارك _ رحمه الله تعالى _ : "المؤِمن يلتمِس المعاذير، والمنافِق يتتبّع الزلاتِ" .





و أخرج أحمد والترمذيّ من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ((من ردَّ عن عِرض أخيه ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة))(8)[8>، وفي رواية ابن أبي شيبة: ((وقاه الله لفحَ النار يومَ القيامة)) .



ويقول داود بن يزيد: سمعت الشعبيَّ رحمه الله يقول: والله، لو أصبتُ تسعًا وتسعين مرّةً وأخطأتُ مرّة لعدّوا عليَّ تلك الواحدة".



وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان في المجلد الأول :"وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم والأمر الجامع لذلك : أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره"

وفي البيت والأسرة من أقوى الأسباب المعينة بفضل الله تعالى على حل المشاكل بين الزوجين، حسن الظن بالطرف الأخر وحمل القول أو العمل على محامل الخير، وقبول العذر، يساعد على استمرار المناخ الطيب بين الزوجين.

ولعل سائلاً يسأل كيف السبيل إلى سلامة الصدر أعد عليك وسائلا إذا أردت أن تصل لسلامة الصدر باختصار .

أولا : تدعوا الله بصدق وإلحاح أن يرزقك قلبا سليما محبا للآخرين فقد كان في دعائه صلى الله عليه وسلم" اللهم أنى أسألك قلبا سليما" وردد يا أخي ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) ما أجمل أن تردد الكلمات بنفسك وفى كل ليلة فإذا أنت نمت بقلب سليم وإذا مت مت على قلب سليم ولله الحمد .

ثانياً أحسن الظن بالآخرين والتمس لهم الأعذار فان لم تجد فقل لعلي أجد لك عذرا لا أعلمه قيل أن أبا إسحاق نسى عمامته يوما وكانت بعشرين دينارا عمامة وكانت جديدة وكانت بعشرين دينارا وتولى في دجلة أي جعلها في نهر دجلة لكي يتوضأ فجاء لص فأخذها ترك عمامة رديئة بدلها فطلع الشيخ فلبسها وما شعر حتى سألوه وهو يدرس في درسه فقال لعل الذي أخذها محتاج لم يقل اللص الذي فيه وما لفيه لا وإنما قال لعل الذي أخذها محتاج وانتهت القضية
أخرج الإمام أحمد في المجلد الثالث بإسناد حسن والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوسا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة » فطلع رجل من الأنصار تنظف لحيته من وضوئه، وقد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى فلما كان اليوم الثالث، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي - صلى الله عليه وسلم – تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقال: إني لاحيت(أي خاصمته) أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال: أنس فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعار( أيّ استيقظ وأصابه الأرق) وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليالي وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لك ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فاقتدي بك فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رجال أحمد رجال الصحيح .








































































تاريخ الاضافة: 21-11-2009 11:54
طباعة