هذه سلسلة كنت قد كتبتها منذ زمن ليس بالقريب وهذه السلسلة تتكون من رسائل عتابيه لعدة جهات وأشخاص كان أخرها الرسالة رقم (36) وانتقيت منها ما يناسب المقام وأسميتها الطفولة المجروحة ورقمها التسلسلي (10) وكتبتها في أيام الجامعة الأولى في يوم الاثنين الموافق 8/9/1421هـ وأتمنى أن تحوز على رضا الله عز وجل ومن ثم استحسانكم وبالله التوفيق .
الحمد الله المجيد العزيز الحميد والصلاة والسلام على نبينا المحمود وعلى آله وصحبه وسلم أبعد :
فتتقاطر الدمعات وتنساب العبرات وتتقرح الخطرات وتتبعها الأجفان بالآهات جراحٌ مثل وابل المطر تتساقط على الأجفان الحزينة وكأنّها هِضاب قد أعياها تتابع الأمطار عليها حتى تقطعت وأصبحت لا تقوى على المقاومة فهذه رسالة جديدة من نوعها فريدة عزيزة على قلب قائلها رسالة أهديها إلى كل طفل جريح في هذه الدينا ...إلى كل طفل فقد أمه وأباه ...وإلى كل طفل فقد الفرحة على وجه سناه ...وإلى كل أطفال الدنيا والعالم أُهدي هذه الرسالة المحملة بباقات الورود الحمراء المكللة بأكاليل الزهور المرتشفة ببياض محبب للنفوس حتى تزهو وتُصبح في أحلى حُلة واهديها كذلك لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد .
الطفولة ذلك المعنى الأسمى الذي يبحث عنه كل إنسان في هذه الدنيا ...تبحث عنه العذراء في خدرها ... والأيامي في حجر أبيها ترتسم البسمة على الشفاة عندما يعلو في الأفاق صراخ طفل قد نزل للتو واللحظة قادماً من مطار الرحم الدولي ببطن أمه بعد رحلة استغرقت تسعة أشهر تزيد أو تنقص كان هو الملاح وقائد الطائرة فيها ، وقد عانت هذه الرحلة خلالها سيرها عواصف من الأمطار وعواطف المدامع التي سالت على إثرها الأودية والشعاب على خديّ أمه الشريفة ,,, وقد عصفت بالقرب من رحلته رياح شديدة من الألم والمخاض والولادة التي لا يعرف شدتها وعسرها ويسرها إلا من عاش أيامها وذاق حلاوتها ومرارتها ... من ينابيع الحنان وبساتين الجنان والأزهار في كل مكان متزينة بأبدع الألوان ... الأمهات هن الخالدات ..هن الحافظات ...هن الصالحات ...هن الحاملات لأقسى الآهات ...كاتمات الزفرات ...مسقطات الدمعات على أحلى الوجنات ...عندما تعاني الآهات وتصرخ ويظهر عليها الملمات ...تعاني السهر الطويل والحزن العميق ، وأنت في سبات عميق لا دري متى عن سنتك قد تفيق كم من الألم قد تعبت ...سهرت عليك بجانبك تنسى الألم وتبحث عن الأمل وتنسى الجميع عندما تلوح بارقة الأمل بشفائك وتصحو من مرضك ...كل هذا وأنت لا تبالي و لاتسأل عن حالها ...فعندما تكبُر وتفتل عضلاتك تنسى عنائها ...عندما تكبر وتتكبر تنسى حنانها عندما تجد الحضن الدافي والوجه المليح الشافي تجلب لها زوجة تكدر صفو حياتها وترسل الغمام الأسود في بياتها بعد أن كانت ترسل غمام عيونها الأبيض الشفاف شفقة عليك ...كم عانت في صغرك ...وحين ولادتك ...وتعاني منك الألم بعد زواجك واكتمال قدرتك وضعف قدرتها ...هل نسيت أيها المفتول المفتون أن لكل ظالم يوماً يبدد الله قوته وظلمه وقهره ... وأنت أيها المسكين صاحب السكين تذبحها بين يديك وأنت لا تشعر لم تجد أحدً في هذه الدنيا تظلمه وتنتقص من حقه وتحط من قدره إلا أمك ...التي قال الله عنها في كتابه وثنى بها وبوالدك بعد التوحيد الذي هو أشرف شيءٌ على العبيد فقال سبحانه وتعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا أياه وبالوالدين إحسانا ...الآية) فالبر بها واجب وهو من آكد الواجبات بعد الشهاديتن وعقوقها والنفور منها من أكبر الكبائر بل هو من السبع الموبقات التي لا تغفر للعبد ما لم يتب منها توبة نصوح ...وبعد هذا كله تفعل ذاك وتقول ماذا فعلت وبأيّ ذنبٍ أُخذت نشكو إلى الله لا إلى الناس حالنا ...الوردة الحمراء والزهرة الغيداء والينبوع الصافي والنهر الدافيء والقلب الرحيم والفؤاد الحليم كلها لم تكفيك ... أيها العاق ..فهي أشبه بجزيرة الأحلام لا تصدق ، وأنت مع هذا كله تقول ماذا فعلت رضى الله من رضى الوالدين وسخطه من سخطهما وأنت تؤثر بنصيب زوجتك نصيب أمك وأبيك ...فلا حول ولا قوة إلا بالله الذي يراك حين تقوم وهو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم وهو العلي العظيم .
قد يري الشخص في حياته عبر ومواقف يشيب لها رأس اللبيب ترى الطفولة تصرخ وتشتكي إلى الله ...الطفولة نعم ونعمة من الله على العبد كيف به وهو يفرط فيها ويدعها تذوق طعم الآسى والحزن وتعاني من طول السهاد وقلةالنوم على المهاد ...ترى الأطفال يتيهون وفي كل وادٍ يهيمون ليس من دون الله ولي ولا نصير يحرثون في الأرض بلا رقيب ولا حسيب فتجدهم في حرارة الشمس وبرودة الشتاء يتسكعون في الشوارع إلى ساعات متأخرة من الليل ...والأب والأم في سبات عميق وكأنهم من أصحاب الكهف الغميق لا يدرون بأيّ وادٍ هلكوا وفي أيّ وادٍ سلكوا فلا حول ولا قوة إلا بالله ناصر المظلوم ودامغ الظالم سبحانه وتعالى قويٌ عزيز ذو انتقام ...ترى البنت تبكي وتتقاطر دمعاتها على خديّها و لاتنطق ببنت شفه من أجل ماذا هذه الدموع الغالية يا بنيتي وفلذة كبدي من أجل أيّ شيء تتقاطر دموعك الغالية التي تمثل نهر الحياة الذي استقي منه العافية بإذن الله تعالى والصحة الغالية من أجل ماذا تبكين ..؟
اجابتني وهي تحاول إخفاء حزنها الدفين بكمها المتين ...من أجلك أنت يا أبي إني رأيت في المنام أنك تموت وتحمل على الأعناق ويذهبون بك إلى المغسلة وأنا أبكي وأحاول أن أمنعهم من ذلك ولكن دون جدوى يا أبي صحيح بأنك سوف تموت يا ابتي ...!
اجبتها وقد تقاطرت دمعات من قلبي القاسي لا يا حبيبتي أنها أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ...أريت أيها الأخ المبارك سبب هداية هذا الرجل هي طفلته الصغيرة وكذلك مالك ابن دينار ذلك التابعي الجليل سبب هدايته وتوبته من شرب الخمر وقطع الطريق وقد أدمن عليه .. هي ابنته فأصبح عالماً عاملاً يقتدى ويحتذى به في دجى الليل والظلمات وكذلك هي سبب هداية رجل من هذا الزمان قد أدمن على مشاهدة الأفلام الخليعة فجاءته على استحياء في ظلام الليل الذي قد طال جانبه وهو عاكف على هذه المعاصي والذنوب فتفتح عليه الباب وتنير غشاوة البصيرة عنده وتلقي بها في مهاوي الردى فلا حول ولا قوة إلا بالله ومع هذا تموت وتترك نور أبيها يضيء في غياهب الظلمات ومع هذا كله يكرهون البنات ويتضجرون منهن ويكرهون قدومهن ولا يعلمون بأنهن حجاب النار ومصابيح الدار على مدى الزمان وإن أظلم المكان .
طفولة مجروحة ومقتولة في نحرها ليس لها من ولي ولا نصير غير الله ألم ترى نبينا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم يسلم على الصغير ويدنيه إليه ويركِب الحسن والحسين عليهما الرضوان التام على ظهره عندما يركع وينزلهما في حال سجودة وهو يتعبد ربه .
طفولة قد ماتت عالم الحُسن فيها وماتت تعابير الجمال فيها كنا نرى فيما ما مضى مسحة الجمال والدلال على الأطفال أما الآن لا جمال ولادلال ضياع للحقوق والواجبات وإهمال منقطع النظير الأطفال على ضعفهم يبحثون عن من يشدد به ازرهم فلم يجدوا يبحثون في العالم الخارجي عن أم وأب بدلاً مما عندها فهل ننتظر شيء آخر غير استبدال الوالدين ...؟